النويري

27

نهاية الأرب في فنون الأدب

يا أمير المؤمنين أولى الناس بإقبالك عليه وإصغائك إليه ؛ فقال : أجل ! هذا واللَّه مولاي وابن موالىّ لا يعرفون غير ذلك . فقال : ليس كل مولى يا أمير المؤمنين مولى لمواليه ، ولا كل مولى يتجمّل بولائه يجمع ما جمعه عبد اللَّه من ظرف وأدب وصحّة عقل وفضل علم وجودة شعر . فقال له : صدقت يا محمد . فلما كان من الغد جئت محمد بن عبد الملك شاكرا لحسن محضره ، فقلت في أضعاف كلامي : وأفرط الوزير ، أعزّه اللَّه تعالى ، في وصفى وتقريظى بكل شئ حتى وصفني بجودة الشعر ، وليس ذلك عندي ، وإنما أعبث بالبيتين والثلاثة . ولو كان عندي أيضا شئ من ذلك لصغر عن أن يصفه الوزير ويحكيه في هذا المجلس الرفيع المشهور [ 1 ] . فقال : واللَّه يا أخي لو عرفت مقدار قولك : يا شادنا رام إذ م رّ في الشّعانين [ 2 ] قتلى يقول لي : كيف أصبح ت ؟ كيف يصبح مثلي لما قلت هذا القول . واللَّه لو لم يكن لك شعر في عمرك إلا قولك : « كيف يصبح مثلي » لكنت شاعرا مجيدا . وهذا الشعر قاله عبد اللَّه بن العباس في نصرانية كان يهواها ولا يصل إليها إلا إذا خرجت إلى البيعة . وله معها أخبار وأشعار له فيها أصوات . منها قوله : إنّ في القلب من الظَّبى كلوم فدع اللَّوم فإنّ اللَّوم لوم حبذا يوم الشّعانين وما نلت فيه من نعيم لو يدوم إن أكن أعظمت أن همت به فالذي تركب من عذلى عظيم لم أكن أوّل من سنّ الهوى فدع العذل فذا داء قديم

--> [ 1 ] لعله « المشهود » . [ 2 ] الشعانين : عيد للنصارى قبل الفصح بأسبوع .